الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

25

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ودعوا اللّه أن يؤتيهم رحمة من لدنه ، وذلك جامع لخير الدنيا والآخرة ، أي أن يمن عليهم برحمة عظيمة تناسب عنايته باتباع الدين الذي أمر به ، فزيادة مِنْ لَدُنْكَ للتعلق بفعل الإيتاء تشير إلى ذلك ، لأن في ( من ) معنى الابتداء وفي ( لدن ) معنى العندية والانتساب إليه ، فذلك أبلغ مما لو قالوا : آتنا رحمة ، لأن الخلق كلهم بمحل الرحمة من اللّه ، ولكنهم سألوا رحمة خاصة وافرة في حين توقع ضدها ، وقصدوا الأمن على إيمانهم من الفتنة ، ولئلا يلاقوا في اغترابهم مشقة وألما ، وأن لا يهينهم أعداء الدين فيصيروا فتنة للقوم الكافرين . ثم سألوا اللّه أن يقدر لهم أحوالا تكون عاقبتها حصول ما خولهم من الثبات على الدين الحق والنجاة من مناواة المشركين . فعبر عن ذلك التقدير بالتهيئة التي هي إعداد أسباب حصول الشيء . و ( من ) في قوله : مِنْ أَمْرِنا ابتدائية . والأمر هنا : الشأن والحال الذي يكونون فيه ، وهو مجموع الإيمان والاعتصام إلى محل العزلة عن أهل الشرك . وقد أعد اللّه لهم من الأحوال ما به رشدهم . فمن ذلك صرف أعدائهم عن تتبعهم ، وأن ألهمهم موضع الكهف ، وأن كان وضعه على جهة صالحة ببقاء أجسامهم سليمة ، وأن أنامهم نوما طويلا ليمضي عليهم الزمن الذي تتغير فيه أحوال المدينة ، وحصل رشدهم إذ ثبتوا على الدين الحق وشاهدوه منصورا متبعا ، وجعلهم آية للناس على صدق الدين وعلى قدرة اللّه وعلى البعث . والرّشد - بفتحتين - : الخير وإصابة الحق والنفع والصلاح ، وقد تكرر في سورة الجن باختلاف هذه المعاني . والرشد - بضم الراء وسكون الشين - مرادف الرّشد . وغلب في حسن تدبير المال . لم يقرأ هذا اللفظ هنا في القراءات المشهورة إلا - بفتح الراء - بخلاف قوله تعالى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ في البقرة [ 256 ] ، وقوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً في سورة النساء [ 6 ] فلم يقرأ فيهما إلا - بضم الراء - . ووجه إيثار - مفتوح الراء والشين - في هذه السورة في هذا الموضع وفي قوله الآتي : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً [ الكهف : 24 ] : أن تحريك الحرفين فيهما أنسب بالكلمات الواقعة في قرائن الفواصل ؛ ألا ترى أن الجمهور قرءوا قوله في هذه السورة : عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ الكهف : 66 ] - بضم الراء لأنه أنسب بالقرائن المجاورة له وهي مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] - مَعِيَ صَبْراً